أخر الاخبار

لماذا الدولة ؟ الثانية بكالوريا

لماذا الدولة ؟  الثانية بكالوريا

غالبا ما نسمع تلك الجملة، التي تقر أن الدولة باعتبارها بناءا، لا تكون متساوية مع عدد أفرادها الذين يعيشون بها، لكن أكبر من ذلك العدد. إن الدولة لا تتكون فقط من أفراد، لكن مؤسسات، قوانين، قواعد وعلاقات بين أفرادها. ذلك هو السر وراء تلك الجملة التي تعبر بالفعل عن بناء وكيان الدولة باعتبارها وحدة مستقلة عن الأفراد الذين قاموا بإنشائها. السؤال الذي قد يظهر هنا؛ لماذا نقوم بإنشاء مثل ذلك الكيان الذي يقوم بتقييد حرياتنا، واستخدامها للعنف حصريا لها، ومعاقبتنا إذا خالفنا قوانينها ؟ فهل أصبحت مجرد واقع يجب التعامل معه، أم هناك سبب وراء الانصياع لتلك السلطة الأعلى من سلطة الأفراد ؟

هناك العديد من النظريات الفلسفية وراء نشأة الدولة وقيام سلطة عليا بالتحكم في الأفراد. ونجد نظرية العقد الاجتماعي هي النظرية الأبرز في ترجمة مثل هذه الظاهرة، مضمونها أن الشعب قد قام بتوقيع عقد يتنازل بموجبه عن حرياته أو جزء منها للدولة والحاكم بكامل إرادتهم وذلك لأسباب مختلفة وعديدة.

ففي أسوأ الأحوال نجد نظرية «توماس هوبز» والذي يقر تنازل الناس عن حرياتهم لصالح الحاكم بموجب عقد، يكون ذلك العقد نهائيا ولا رجعة فيه، أن يكون التنازل عن كامل الحريات، أن يكون للملك السلطة المطلقة والنهائية. هنا نجد أن هوبز لم يبال بأداء الحاكم أو أن يكون مستبدا (ديكتاتوريا) أو ديمقراطيا، لا يمكن محاسبة الحاكم أو مراقبة قراراته. شبه هوبز الدولة في تلك الحالة بـ «اللوثيان» وهو وحش بحري أسطوري لا يستطيع أي إنسان أو أي وحش مجابهته، يجب على الجميع الخضوع له.

رغم كل هذه القواعد والسلطات الهائلة التي أعطاها هوبز للملك، فإنه كان مدفوعا بالخوف، لما عاشه من فظائع الحرب الأهلية الإنجليزية عام 1642. لذلك فقد رأى أن مهمة الملك التي لا يمكن التغاضي عنها أو التخلي عنها هي الحفاظ على الأمن والسلام وحياة الأفراد وممتلكاتهم. فلا يمكن أن يتقاعس الملك عن هذه المهام، هذه هي الحالة الوحيدة التي أقر فيها هوبز الثورة؛ عندما لا يحافظ الملك على ممتلكات الأفراد وحياتهم.

أما عن الحالة الجيدة فنجد نظرية الفلاسفة «جون لوك» و «جون جاك روسو». فنجد في حالة «لوك» أن بناء الدولة قد نشأ نتيجة الإتفاق بين الأفراد لإعطاء تفويض ببعض السلطات لحاكم لتنظيم الأمور بينهم فقط ليس إلا. وقد أقر الخروج عن الحاكم ومقاومته في أحوال أن يكون الحاكم مغتصبا للسلطة لا توجد شرعية أو تفويض من الناس له أو أن يكون الحاكم قد خرج عن القانون وأصبح مستبدا. فالدولة هنا هي كيان تنظيمي يهدف لصيانة الحريات وتنظيمها، كما يمكن أن يقوم الأفراد بسحب التفويض مرة أخرى ويمكن أن يقاوموا الملك متى خرج عن القانون واستبد في حكمه. أما عن « روسو » فمثل « لوك » قد آمن أن السلطة للشعب وأن العقد هو مجرد تفويض للتنظيم نتيجة لاعتماد الأفراد على بعضهم البعض وأن التنازل يكون عن جزء من الحقوق وليس جميعها. في حين أنه قد ركز بطريقة كبيرة على فكرة الأغلبية، حيث إن إرادة الإنسان الفردية تكون أنانية ويجب اللجوء للإرادة العامة وهو رأي الأغلبية. بهذا أقر « روسو » بالثورة متى تم الخروج عن الإرادة العامة وهي الأغلبية والديمقراطية.

نجد أن الفلاسفة الثلاثة قد أقروا بالثورة، لكن بشروط مختلفة. "هوبز" قد وضع الضمانة الوحيدة لعدم الثورة الأمن والحفاظ على الممتلكات، أما "لوك" فكانت شروطه القانون أو اغتصاب السلطة، و "روسو" كانت الخروج عن الإرادة الجماعية وليس الفردية.

سوف أتناول بالمقارنة بين الحالة الأسوأ وهي حالة «هوبز» والحالة الواقعية :
في حين عاش هوبز في زمن الحرب الأهلية الدامية في إنجلترا، والتي أثرت عليه بشكل كبير وعلى أفكاره ليكون خاضعا راغبا في الأمن والاستقرار والسلام في مقابل التخلي عن باقي الحقوق والحريات. لكن أقر أنه إن لم تستطع الدولة توفير ذلك الأمن للأفراد فلابد من الثورة، بذلك يكون هوبز قد أقر الحق في الحياة والحق في الامتلاك. في الوقت الذي عاش فيه هوبز وقبل تطور أفكار الحقوق والحريات أقر حقيْن يجب توافرهما من أجل الإنصياع للحاكم.

مع تطور المعارف والفكر السياسي نجد أن الحقوق الأساسية التي لا يمكن التخلي عنها أصبحت 4 حقوق رئيسية وهي حق الحياة، التمتع بالحرية، حرية الفكر والتعبير، و حرية الاعتقاد طبقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة. إذا ومع تطور الوقت والحقوق والحريات، أصبحت هذه الحقوق بمثابة الحقوق الأساسية التي اختزلت في عهد هوبز في الحياة والامتلاك فقط. وهذه الحقوق أصبحت الحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل الناس بطريقة متساوية.

في الواقع، يمكن أن نجد العديد والعديد من الأمثلة والوقائع التي يمكن أن نقوم بالقياس عن طريقها. ففي البداية نجد أن مصر تمر بعصر من أسوأ العصور في حرية الفكر والتعبير حيث تصنف مصر دولة غير حرة طبقا لمؤشر الديمقراطية 2015، وهناك هجوم عنيف على المنظمات غير الحكومية بهذا نكون قد فقدنا أول حق أساسي من الحقوق الأربعة. ثم حق التمتع بالحرية نجد أن الأجواء في مصر لا تتمتع بأي نوع من الحرية حيث يبلغ عدد المعتقلين فوق 40 ألف معتقل وسط حالات من التعذيب والمعاملة غير الآدمية. وحين نتكلم عن أبسط الحقوق وهي الحق في الحياة فنجد أن مصر يجتاحها حالة غير مسبوقة من فقدان ذلك الحق حيث جملة من أحكام الإعدام.
الجدير بالذكر أن تلك الحقوق التي يفتقدها الشعب المصري، إنما يفتقدها الشعب كله وليس فقط السياسيون أو المعارضة. فالإنسان العادي حاليا لا يأمن على نفسه من السلطة، بل من أقل فئة من السلطة مثل أمناء الشرطة والذين ارتكبوا العديد من وقائع القتل دون أن يحاسبوا بطريقة منصفة.

بالمقارنة نجد أن الحقوق الأساسية التي ذكرتها الأمم المتحدة لا يتمتع بها أي من المواطنين المصريين سواء كانوا مسيسين أو لا علاقة لهم بالسياسة. أيضا نجد أن الحقوق التي وضعها هوبز لا يتمتع بها المصريون. لكن ما يستحق الذكر هو أنه بالرغم من البؤس والخوف الذي عاشه «هوبز» إلا أنه قد تمسك ببعض الحقوق والتي اعتبرها أساسية ولا يمكن الاستغناء عنها، فهل نحن أكثر بؤسا منه حتى يصبح العقد الاجتماعي الخاص بنا ينص على تسليم جميع الحقوق والحريات في مقابل ما يرى الحاكم أن يعطيه لنا هبة منه علينا وليس حقوقا ثابتة ؟ هل نحن في هذه الدرجة من حيث عدم المطالبة بأي حق كان ؟

إذا فإنه من المنطقي أن نطرح الخيارات والبدائل أمامنا لكي نحصل على التغيير، الآن يمكن المطالبة بمطلب من أصل اثنين؛ إما تغيير الحاكم والحكومة والحصول على عقد اجتماعي بشروط أفضل من هذه الشروط المجحفة في العقد الحالي، أو عدم الحصول على عقد من الأساس بحيث إلغاء العقد وعدم تسليم السلطة والحرية إلى أي جهة أخرى لتحكمنا، فلا نسير كما وجدنا آباءنا وأجدادنا يفعلون.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
  • انشر مواضيعك و فروضك و مساهماتك على موقعنا من خلال بريدنا :kolchitv@gmail.com -واتساب 0707983967- او على الفايسبوك
    اطرح سؤالك



  • وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -
    اسألنا X